د. حزام بن سعود السبيعي
د. حزام بن سعود السبيعي

@DrHuzam

5 Tweets 2 reads Aug 19, 2024
ساتحدث اليوم عن العلاقة بين #الحرب و #الإبداع التكنولوجي .. وتصحيح بعض المفاهيم حول ماتم الترويج له منذ زمن بعيد بالحجة التقليدية "بإن الحرب كانت حافزًا كبيرًا للعلم وتطوير الاختراعات."
لقد كانت هذه وجهة نظر العديد من العلماء والمهندسين وحتى المؤرخين منذ فترة طويلة.
وكانوا يستخدمون مثالًا كلاسيكيًا مثل #البنسلين. الذي تم اكتشافه في بداية #الحرب_العالمية_الثانية وتبين أنه يتمتع بخصائص مضادة للبكتيريا غير عادية لدى البشر . وبحلول نهاية الحرب تم إنتاجه بكميات كبيرة، واستمر في تحويل الطب في زمن السلم بسرعة ملحوظة.
⭕️ولكن كانت هناك أيضاً آراء معارضة موثوقة بشأن العلاقة بين الحرب والابتكار.
🔅🔅 من الاراء المعارضة لهذا الترويج وقد تعتبر الأكثر إثارة للدهشة راي السير هنري تيزارد، رئيس جامعة الإمبراطورية البريطانية (امبريال كولدج) من 1929 - 1942. وكان أيضاً المستشار العلمي الرئيسي لوزارة الدفاع ووزارة إنتاج الطائرات حتى عام 1943. ومنذ ثلاثينيات القرن العشرين كان في طليعة دعم تطوير الرادار (الأكثر شهرة)، فضلاً عن المحركات النفاثة والأسلحة الذرية والبحوث العملياتية. يقول:
"من الخطأ أن نفترض أن العلم يتقدم بسرعة في الحرب. فقد تتلقى بعض فروع العلم حافزاً خاصاً، ولكن في المجمل يتباطأ تقدم المعرفة".
🔅🔅 وكان مهندس السكك الحديدية العظيم السير ويليام ستانير عضو المجلس الاستشاري الهندسي في زمن الحرب الذي قدم المشورة لمجلس الوزراء الحربي قال فيها:
"على الرغم من أن الحرب تحفز التقدم، إلا أنها تفعل ذلك فقط في مجالات محدودة. في مجالات أخرى، يكاد التقدم يتوقف ليس فقط "لفترة" ولكن لفترة طويلة بعد ذلك. ... أثناء الحرب، كان لابد من تحويل أفكار العديد من الرجال اللامعين بعيدًا عن خلق أشياء مفيدة للجنس البشري والتركيز على ابتكار وسائل جديدة للتدمير أو وسائل جديدة لتجنب نوايا العدو التدميرية.
و يعتقد ستانير أن تأثير الحرب على التقدم الهندسي كان يؤخره بدلاً من تعزيزه، وأن الفائدة كانت "أكثر من متوازنة بسبب النكسات التي عانى منها في مجالات أخرى وإهدار المواهب المتأصلة في تصميم الأشياء المدمرة بدلاً من البناءة".
لقد كانت الحجة التقليدية التي اختلفوا معها هي أن الحرب تجبر الحكومة على الاستثمار بشكل أكبر في البحث والتطوير بشكل عام، وأن هذا يؤدي إلى تطوير العلوم والتكنولوجيا للاستخدام المدني والعسكري.
و إن مثل هذه الحجج تخفي وراءها افتراضات قوية ومؤثرة حول العلاقات بين العلم والتكنولوجيا والحرب. وتشير هذه الافتراضات إلى أن الحرب الحديثة تعتمد على اختراعات عظيمة مستمدة من البحوث المدنية. وكانت هذه هي القصة التي رواها الناس عن الطائرات، والراديو، والمتفجرات الجديدة والوقود، وبالطبع القنابل الذرية. لقد كان العلم والتكنولوجيا مدنيين بطبيعتهما؛ وقد أظهرت تطبيقاتهما في الحرب قوتهما.
أن الطائرات والمحركات الجوية والإلكترونيات والفيزياء الذرية مدنية في الأساس وقد أثبتت قيمتها من خلال مركزيتها للحرب. حتى القنبلة الذرية كانت أبعد ما تكون عن الجيش، لكنها سرعان ما أصبحت مشروعًا عسكريًا في الأساس.
1️⃣
لاجدال بأن المؤسسة العسكرية قد دفعت تقدم #العلم و #التكنولوجيا، لكنه دفعا تمييزيا لما ينفع الحرب فقط وقد تم توقف او الغاء عدد كبير من #الاختراعات المفيدة لانها غير منتجة في تلك الحروب.
imperial.ac.uk
كما حولت المؤسسة العسكرية مجموعة واسعة من الأسلحة التي كانت نتاجًا للعلم والتكنولوجيا المدنية الى الخدمة العسكرية ليس فقط لتطوير الطائرة أو الراديو أو القنبلة الذرية، (كما ذكرت سابقا) بل وأيضًا لانتاج البنادق والمتفجرات والغاز السام.
خذ على سبيل المثال تاريخ جامعة إمبريال كوليدج لندن. كان لأكثر من نصف عمداءها الخمسة عشر لهم صلات مهمة وطويلة الأمد بالمؤسسة العسكرية.
لقد امتد عالم تطوير الأسلحة إلى ما هو أبعد من المختبرات والبرامج الحكومية. ولم يقتصر الأمر على العلماء الباحثين الأكاديميين فحسب، بل شمل أيضًا الباحثين الصناعيين والمخترعين والضباط العسكريين، بل وحتى السياسيين.
إن فكرة أن النخبة السياسية والعسكرية البريطانية كانت محافظة من الناحية التكنولوجية .. فكرة خاطئة.
فعلى سبيل المثال، في الحرب العالمية الثانية، شهدت بريطانيا "عبادة" غير عادية للاختراع، وكان رئيس كهنتها "ونستون تشرشل."
2️⃣
الميزة الرئيسية للحرب أنه يتم إنفاق الكثير من الاموال. مع عدم رغبة الحكومات في دفع ثمن #البحث_العلمي المدني بنفس المستوى أثناء وقت السلم.
لا أحد أثناء الحرب سيدفع لشخص مثل #أينشتاين، ليأتي بنظرية جديدة حول الجاذبية أو النسبية. لانه يجب أن يكون هناك مكافأة عملية وفورية مرتبطة بالحرب. أن جميع الناس في الحرب يكونون أكثر تحفيزًا، ويعملون لساعات أطول ومستعدون للعمل حتى الموت.
لذلك يرى البعض ان #الابتكار_التكنولوجي قد يستفيد من الدعم العسكري وقد يمتد عمره ويستخدم مدنيا بعد الحرب. حيث أن البحث هو جزء واحد فقط من التقدم التكنولوجي وان العبارة الكاملة هي "البحث والتطوير".
فطبيعة بعض الافكار البحثية تتطلب وقتا طويلا لتبلورها وبعضها يتطلب استثمارًا بمليارات الدولارات في التصنيع أو إعادة تنظيم شاملة للإدارة او لكيفية تفاعل الأنظمة الحالية مع بعضها البعض أو غيره.
🔅خذ مثلل الأطعمة المعلبة قد نشأت من الحروب النابليونية ومع ذلك، لم تبدأ عمليات التعليب العملية إلا بعد انتهاء الحروب النابليونية بوقت طويل.
🔅ومثالا اخر هو عمليات نقل الدم حيث نشأت من الحرب العالمية الأولى. وكان البحث في عمليات نقل الدم جاريًا على قدم وساق بحلول عام 1914. ولكن لم يتم العثور على مادة يمكنها منع الدم من التخثر الا في عام 1915.
🔅و كان السوفييت قادرين على تصميم معدات عسكرية متقدمة للغاية مثل الغرب - قوانين الفيزياء هي نفسها في الاتحاد السوفييتي وكان علماؤهم موهوبين مثل علماء الغرب. ولكن لم يكن لديهم القاعدة الصناعية اللازمة للوصول إلى الانتاج الافكار البحثية و لم يكن لديهم سلسلة التوريد لتأمين المواد المناسبة، و لم يكن لديهم مراقبة الجودة لتحقيق المواصفات المصممة. واحيانا يضطروا إلى بناء مشروع واحد يستهلك إنتاج البلاد بالكامل.
وكتب جورج هايلماير (مدير وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة في السبعينيات والمعروف في عالم الهندسة بما يسمى "تعاليم هايلماير") مقالاً رائعًا في مجلة Air University Review في عام 1976 بعنوان مفتجاة التكنولوجيا قال فيه:
اعتمادًا على التكنولوجيا وطول الصراع، قد لا يحدث التطوير أثناء الحرب، ولكن يمكن أن يحدث بسبب الدروس المستفادة من ذلك الصراع.
ومعنى كلامه انه يتم استخدام تلك التكنولوجيا بطريقة مختلفة تمامًا عن المقصود في الأصل. وضرب مثال القنبلة النوويه حيث استخدمت الطاقة النوويه للاستخدامات السلمية مثل انتاج الكهرباء.
وكلامه صحيح حيث هناك امثلة ظهرت بعد مقاله مثل: البريد الالكتروني وانظمة الخرائط التي كانت في الاصل سرا عسكريا ثم تم تطويرها والانتفاع منها في الحياة العامة بعد ان وضعت الحربةالساخنه والباردة اوزارها.
airuniversity.af.edu
3️⃣
ومع هذا فالحرب ليست الشيء الوحيد الذي يعزز التطور #التكنولوجي، لان الممر الذي تحاول التكنولوجيا التقدم فيه هو ممرا ضيقا للغاية ويعتمد في الاساس على فكرة التدمير بشكل أسرع. والاستثمارات مثل هذه إذا تم قياسها من حيث المكاسب الاقتصادية تعتبر في الخقيقة خسائر.
لقد ازدهرت التكنولوجيا بين فترات الحروب ومازالت تزدهر - خاصة لأنها تركز بشكل أكبر على احتياجات الناس وحل المشاكل والرخاء.
🔅 مثلا: برنامج #أبولو من ناسا الذي خلق طلبًا هائلاً على الأجهزة التي تتجاوز الحدود، والتي لم يكن من الممكن تلبيتها إلا من خلال الاستثمار الضخم في قاعدة التصنيع، التي استفادت منها القطاعات الاقتصادية خارج الاستخدام المقصود.
واكبر فضل له انه جلب في الأساس #الرقائق الالكترونية إلى الجدوى الاقتصادية، مما أدى إلى بدء ثورة الكمبيوتر.
nasa.gov
🔅 ومثال آخر هو: مصادم الهدرونات الكبير في سيرن الذي دفع حدود فيزياء الجسيمات، و حدود تكنولوجيا المغناطيس. ونتيجة لذلك، أصبح الان كل مستشفى كبير في العالم لديه جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي MRI.
home.cern
ونظرًا لأن الحرب تُستخدم غالبًا للترويج للحجه بان "الحرب تؤدي إلى التقدم"، فإليك مجالًا واحدًا أدت الحرب العالمية الثانية إلى التراجع، وهو طرح التلفزيون عالميًا تأجل بين 10 و30 عامًا حسب البلد. فقد أوقفت هيئة الإذاعة البريطانية البث التلفزيوني في عام 1939 ولم تعيد تقديمه حتى عام 1946.
وكانت هناك خطط لتقديم التلفزيون إلى الهند البريطانية (الهند وباكستان) في أوائل الأربعينيات. تم إلغاء هذا ولم يحدث حتى الستينيات. كان من المفترض أن تحصل أستراليا أيضًا على التلفزيون، لكن لم يحدث ذلك حتى أواخر الخمسينيات.
4️⃣
ولمن يسال:
هل سيحدث تقدم تكنولوجي لو لم تكن هناك حروب؟
الجواب:
لو لم يكن هناك حروب لتم التطور التقني بنسق ثابت في جميع المجالات وليس المجالات التي تصب في المجهود الحربي وتم تعاون جميع العلماء لما فيه رخاء ومساواة العالم اجمع كما قدمت المشاريع الوطنية الضخمة مثل مشروع ابوللو من ناسا وغيرها. كما شرحت سابقا.
وافضل مثال على ذلك هو مثال عالم #الاقتصاد الفرنسي او مايسمى #النافذة_المكسورة بإن الدمار لا يعزز الاقتصاد.
investopedia.com
والذي قدمه الخبير الاقتصادي الفرنسي فريدريك باستيا في مقالته عام 1850 بعنوان "ما يُرى وما لا يُرى" ("Ce qu'on voit et ce qu'on ne voit pas") لتوضيح المغالطة بان الدمار، والأموال التي تُنفق للتعافي من الدمار، لم تكن منفعة صافية للمجتمع. وانها تقتصر على ما هو مرئي؛ ولا تأخذ في الاعتبار ما هو غير مرئي.
ولاهمية هذا المثال فقد خصص عالم الاقتصاد الأمريكي هنري هازليت في القرن العشرين فصلاً لهذه المغالطة في كتابه "الاقتصاد في درس واحد".
🔅 والخلاصة هي:
أن كسر نافذة البقاله يحقق فائدة اقتصادية في توفير العمل لمحل الزجاج، وعامل التركيب، وربما اقتصاد البلدة ولكن هناك مغالطة كبيرة ستتضح في النهاية.
صحيح ان صاحب المتجر أنفق ستة فرنكات على شيء واحد (اصلاح النافذه المكسورة)، لكن لو لم يكن لديه نافذة ليستبدلها، لكان قد صرف المبلغ على استبدال حذائه القديم، أو أضاف كتابًا آخر إلى مكتبته. باختصار، كان ليستخدم فرنكاته الستة بطريقة ما لنفع اقتصاد البلدة .. ولكن هذا الحادث منعه من ذلك وحصر الاموال في يد الزجاجي وعامله فقط.
5️⃣

Loading suggestions...